أحمد بن علي القلقشندي
327
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فلان فلان العباسيّ الطائع للَّه « مثلا » أمير المؤمنين ، لا زال شرفه باذخا ، وعرنينه الشريف شامخا ، وعهد ولايته لعهد كلّ ولاية ناسخا ، فساموه بيعتها فلبّى ، وشاموا برقه لولايتها فأجاب وما تأبّى ، علما منه بأنها تعينّت عليه ، وانحصرت فيه فلم تجد أعلى منه فتعدل إليه ، إذ هو ابن بجدتها ( 1 ) ، وفارس نجدتها ، ومزيل غمّتها ، وكاشف كربتها ، ومجلي غياهبها ، ومحمد عواقبها ، وموضّح مذاهبها ، وحاكمها المكين ، بل رشيدها الأمين ، فنهض المقام ( 2 ) الشريف السلطانيّ الملكيّ الفلانيّ المشار إليه ، قرن اللَّه مقاصده الشريفة بالنّجاح ، وأعماله الصالحة بالفلاح ، وبدر إلى بيعته فبايع ، وأتمّ به من حضر من أهل الحلّ والعقد فتابع ، وقابل عقدها بالقبول فمضى ، ولزم حكمها وانقضى ، واتّصل ذلك بسائر الرعيّة فانقادوا ، وعلموا صوابه فمشوا على سننه وما حادوا ، وشاع خبر ذلك في الأمصار وطارت به مخلَّقات البشائر إلى سائر الأقطار ، فتعرّفوا منه اليمن فسارعوا إلى امتثاله ، وتحقّقوا صحّته وثباته بعد اضطرابه واعتلاله ، واستعاذوا من نقص يصيبه بعد تمامه لهذا الخليفة وكماله ، فعندها أبانت الخلافة العبّاسية عن طيب عنصرها ، وجميل وفائها وكريم مظهرها ، وجادت بجزيل الامتنان ، وتلا لسان كرمها الوفيّ على وليّها الصادق : * ( هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلَّا الإِحْسانُ ) * ( 3 ) فجدّد له بالسّلطنة الشريفة عهدا ، وطوّق جيده بتفويضها إليه عقدا ، وجعله وصيّه في الدّين ، ووليّه في أمر المسلمين ، وقلَّده أمر الممالك الإسلامية وألقى إليه مقاليدها ، وملَّكه أزمّتها وحقّق له مواعيدها ، وعقد له لواءها ونشر عليه أعلامها ، وصرّفه فيها على الإطلاق وفوّض إليه أحكامها ، وألبسه الخلعة السّوداء فكانت لسؤدده شعارا ، وأسبغ عليه رداءها
--> ( 1 ) هو ابن بجدتها : يقال للعالم بالشيء المتقن له المميّز له ، وكذلك يقال للدليل الهادي ، والبجدة : الأصل . انظر لسان العرب والقاموس المحيط ، مادة ( بجد ) . ( 2 ) المقام الشريف من ألقاب الملوك ويأتي في المرتبة الثانية بعد « المقام » . انظر ج 6 من هذا المطبوع ص 126 . ( 3 ) سورة الرحمن 55 ، الآية 60 .